2008

———————————————————– حين أتمنّى أنّ أكون قطة ! ——————————————————-

حين ترى جدي لأول وهلة , تحسبه ذلك الرجل السبعيني,الذي تغطي عيناه نظارة سميكة تظهرهما أوسع مما هي عليه..
هو ليس كذلك فقط…
يتفحص وجهك بتلك العدسات العريضة وتحسبه لايراك..لايطيل النظر إلى شئ لكنه يفعل !..
يسألك عماّ في يدك..دون أن يراه , ويقرأ الصحف..كأجمل ماسمعت…
سمعت..
لأنه في كل مرّة تجلس بجانبه يمسك بالصحيفة..
-”نورة”..
-”سمّ”..

ويبدأ بقراءة الأخبار ..واحداً تلو الآخر..مخللاّ بأصابعه لحيةّ بيضاء ومن خلف نظارته ذاتها التي لم تتغير منذ أمد ..
كسرها أحد الأحفاد ذات يوم..فأتى بلاصقٍ الكهرباء..وجمع طرفيها مرة أخرى..رافضاً إصلاحها..
كُل شئ في دار جدي عتيق..مذياعُ معطوب..أصلحه رافضاً..شراء آخر,نظارة مكسورة,سيارة لاتعمل بمكيفّ ,طقمُ أسنانٍ لم يعد مناسباً,قدمٌ متورمّة..فضلّ لفها بجورب ودهنها كل ليلة..منذ سنة مضت..

صوته يشبه أحد الإذاعات القديمة,كـ مُذيعً آتٍ من إذاعات حرب الخليج,ذات النبرة والأسلوب,سجلتهُ ذات يوم دون أن يعلم,يحبُ تقليد الأصوات,أسلوبٌ يدهش الجالسين,
شئٌ اعتدنا عليه مذ كُنّا صغاراً..لاأدري مايخبئ جدي في عقله من أمنيات..لكن نظن الإذاعة كانت واحدة منها..

أنت عليك أن تسمع, بل تنصت..لأنه في نهاية كل خبر سيناقشك,ليست بنبرة سياسيّ حاذق,أو مهتم بالأخبار,وإنما بنبرة المثقف…
الإنسان البسيط الذي تعلمّ من الحياة أن يعتني بأخيه في سنّ مبكرة,أن يحجّ في السادسة,ويتفوقّ على زملائه ويأخذ شهادة الإبتدائية..ليعمل معلماً..!!
ويكبرّ كما تكبر الأيام بل أسرع , ويربي أسرة من الفتيات , ويتقاعد في النهاية بعد أن خدم في الوزارة لزمن ليس بالقليل ..
أنت لاتستمع لجديّ..تستمع لشخص يستطيع أن يقلدّ لك شيوخ الحرم السابقين في قرائاتهم ولايقرأها عليك لا,بل في وقت فراغه حين ينظف عتبة الباب ,
أو يتوارى عن الأنظار وهو يجمع القمامة في أرجاء المنزل,حتى أنه يصل لقمامة جاره,ويجمع مابالشارع من أكياس , ليدير محركّ سيارته , وفجأة لاتجده بجانبك كل ليلة في الساعة العاشرة مساءً..لأنه يرمي قمامة الحيّ في مكبٍ كبير يبعد دقائق عن داره.
لاتستمع له , بل لقصص الحجّ القديمة .. التي بإمكانك أن تسترجعها أخرى في موسم حج السنة القادمة ,لقصص اقتحام الرياض ,وتوحيد مناطق القصيم وحروبها القديمة ,
عقابك شديدٌ إن لم تشنّف المسامع لذلك,ليس سهلاً..شئٌ يشبه ذوبانك خجلاً في قوقعة نفسك حين يكرر ماقاله ابن مهنّا أيام توحيد القصيم , نصفك غارقٌ في الرغبة الملحةّ للنوم..وهو يعيد عليك سبب عدم اختياره لأحد الرجال..يكرر على مسمعك بأن ابن مهناّ اجابهم حين سألوه عن احجامه عن اختيار الرجل..
بأن الرجل ” بنصف عقل”..”فاضي”..وكان كلماقيل له حكاية قال ” اها..ايوه..اها ايوه..!”
لتكتشف أنه بشكل غير مباشر..يقصدك أنت !
فـ تعتدل في جلستك..لتفهمّ جيداً درس التاريخ وإن كان معاداً..!

حين يأتي أحيانا من أحد جولاته من الخارج,استطلاعية كانت في سوق الخضار,أو اجتماعية أياً يكن.يتكئ ويناديني لأقف على موطئ قدمه !
موطئ قدميه لوحة تخبركَ بكل معاناة تكبدها , بكل الأعمال التي قضاها للوزارة , بتلك الأموال التي دفعها عن قسم المشتريات الذي كان يديره !
بالمكاتب التي استأجرها للوزير دون أن يعلم الوزير بذلك , بتلك الرحلات التي كان يأخذنا لها..نتلذذ بمنظر الرياض ليلا من على أعلى بقعة في تلك الفترة , وكانت في حيّ الربوة ! , ونحن نشرب العصير ,صغارٌ كان يملؤنا فرحاً أن نرى الرياض بذلك الشكل , برحلات “الديرة”..التي نقضي معظم وقتنا في السيارةّ تجبرنا أقدامنا على الحركة
فنلهو متنقلين لمقدمة السيارة , أو لآخرها..كان يركن سيّارته أمام أحد المكاتب ويجعلنا منتظرين فيها , نلهو ونخربّ ونقضي على كل شئ مُهم..دون أي توبيخ يذكر,
في تلك الأيام..جديّ كان مستمعاً..ولم نكن كذلك..أما الآن..فيجب أن نستمع نحن !

في داره قطة تغار منها جدتي ,تلحق بطرف ثوبه حين يذهب للصلاة , وتنتظره عند باب المسجد,وحين ينتهي ويهمّ بالعودة ..تنهج الأمر ذاته..عائدة معه إلى المنزل,
يتشري لها في أول كل شهر..صندوقاً من سمك السردين,ويخرج في كل يومً ليطعمها ويسقي نخلة الدار التي توبخّه عندها جدتي..لأنها تهتم بها قبل أن يفعل هو..
ولأنه -بزعمها- لايفقه بالنخيل شيئاً كما هي …

جدتي لاتبصر جيداً,وقبل أسبوع أخذت مكانها في قائمة طويلة,بانتظار متبرعٍ بالقرنية,لها أن تأخذ عينيّ من مكانهما..لكنها لاتفعل ذلك..حتى بالأموات..لذا كانت ستنسحب من على القائمة,لولا أن جديّ أقنعها بالقليل من سخريته..
يفعل ذلك دائماً..وحين يرى ابتسامتي المخبأة يعلم جيداً أن جدتي لاتراني..فيزيد من سخريته , من طريقتها في الكلام,من مشيها , تضحك هي في داخلها لكن تظهر غير ذلك,وحين يحسوّن بالضحك الذي يغطي الرؤية لديّ..يتوقفون معرضين عن بعضهم..

ما أردته اليوم , أن أحزم حقيبتي الصغيرة التي كنت أحزمها كلما ضاقت بي الحيلّ..أن أضع فرشة أسناني وشاحن هاتفي..بسرعة
وأذهب في رحلة لاتتجاوز الدقيقة..لبيت جديّ حيث لايوجد سواي والقطة..وجديّ ..والخادمة التي تعتبرها جدتي ابنتها وتحمل عنها الأغراض..!
طبعا .. هذا مايخالف طبيعة عمل الخادمة ! لكن لجدتي وجهة نظرها !..
ماتمنيته قبل أسبوع .. أيضاً..
أن أقوم في الصباح لأجد جدتي تقرأ مصحفها الكبير ..وجدي يدخل بقدرٍ من الفول ..لنجلس معاً في نفس دارة الحديث ..مع نفس اوراق التقويم السنوي الذي يقرأ لنا منه جدي حكمة اليوم,ويعيدها في جيبه مع جميع الأوراق المهترئة..مع علبة النظارات التي لفّ بداخلها هاتفه الجوال الذي لم يغيرهّ منذ عرفته..
لم يكن بحاجته,ولم يردّ عليه يوماً..لكن إرضاءً لمن أصرّ عليه ..ينقطع الإرسال في هاتفه الجوال..في كل مرة يلفهّ بمنديل النظارة ويخبئه في العلبة..
لكن لا أحد يستطيع أن يقول شيئاً..

لاأحد يجب أن يتكلم حين يكون جدي أمامه..
كلنا يجب أن نستمع..نشنفّ السمع..
ونتمنى لو كناّ قططاً..!

———————————————————— الوقت من شاي ! —————————————————————-

ساعات قليلة فقط تفصلني عن أول الإختبارات النهائيةّ لهذا الفصل , يُعتبر هذا الفصل بالنسبة لي الثالث في الجامعة , ومازلت أجلس كما كنت قبل ساعة أمام التلفاز , مكتومٌ صوته يريد أن يقول شيئاً ولايستطيع , وأشكال اللاعبين في قلب الشاشة يبعث على الضحك
دون بهرجة التعليق أو صوت المشجعين أو ضجيج الملعب , أجلس لاأتابع المباريات ولاأهتم بمن سيفوز اليوم أو يخسر غداً , لست أحب كرة القدم كثيراً بالرغم من أنني أجدها حماسية , أحب أنواعاً أخرى من الرياضة وعموماً أفضل برامج الطبخ
… لكن جلّ مايشغلني أوراق اختباري غداً .. او بعد ساعات ..حين لاأنام لاأقدّر الوقت كمايجب .. بل أقدّره , لكن ليس في المذاكرة ..

كُنت قد آمنت بفرضيتي تلك أو لنقل بنظريتي -الفرق كبير – بأنني في كل أسبوعٍ يسبق إختباراتي لن أذاكر , بل لن أستطيع , أثبتُ تلك الفرضية حين كنت بالصف الأول المتوسط حين وضعت بيدي ذاك الجدول الصغير مملوء بنقوش صغيرة ملونة تضع لكل يومٍ مادة يجب أن أنهي دراستها , وانتهى بي الأسبوع , لأذاكر مادة اليوم الأول قبل اليوم الأول بأربعٍ وعشرين ساعة! , مذ ذلك الحين , وأنا أؤمن بأن طاقتي تفوق خططي , وأن خططي متقنة دائماً ولأسباب عدة أفخر بها , لكن في مجال الدراسة سأنسى تلك الصفة فيني , بل وأمتحن العكس ..

مرتّ بي الأيام أحاول أن أعاند هذا الطبع البليد في قرارتي , وحين جاءت أيام الثانوية كنت أشدّ ماأكون على نفسي في هذه المشكلة , كُنتُ
في الصف الثاني الثانوي , وحين وضعت لنفسي ذات الجدول بنفس النقوش التي تخصنيّ وحدي , ضحكتُ
حين وجدت أول ثلاث أيام تملأ الجدول تخصّ مادة الأحياء التي كنت أعشق , وآخر يومٍ يتيم كان يضمّ الرياضيات مع أحد موادّ الدين , وكأنه أسهل المواد بالنسبة لي , حسناً هو لم يكن كذلك , ولم أكن أحبه مذ رمت معلمة المادة دفتري أمام الطاقم التدريسي أجمع في الإبتدائية ..
بعد الثانوية احترمت قدراتي الدراسية, ولأن ترقيعّ الشقوق من اختصاصي قررت أن أكون المثالية لسنوات الثانوية الثلاث على التوالي .. , ورضيتُ بأن أخسر الدرجات في موادّ كنتُ أسهر الليل في مذاكرتها , لكن ولأنّ ورقة الإختبار دائماً تخذلني ولأن أفكار العالم كلها تنتابني فقط حين أجلس نصف الساعة أمام ورقة , أنسى الرموز الرياضية التي حفظت وأتمناها قصيدة من قصائد الأدب التي لاتنتهي , وحين آتي على ذكر الأدب , والصورة الملحّة لمعلمة المادةّ التي كانت توبخني فقط لأنني أحس بنشوة المنتصر حين تطلب منّي على الورقة أن أكمل بيتين بعد هذا البيت , فأسرد لها البقية , مازالت تنتابني هذه العادة بين الفينة والأخرى , لكن هنا في صفوف الترجمة والرواية أو المسرحية التي أحضرها في الجامعة , يكلفنيّ أن أسرد أكثر من اللازم , نصف درجاتي ..ولازلت لاأهتم …

ومازلت لاأجيد الحساب جيداً..وأقدرّ الوقت , لكن لاأحب أن أراجع في أسبوع المراجعة ! .. لاأحب أسبوع المراجعة الماضي , ولاهذا الذي أعيشه , ولاحتي القادم إن عشته…

في الأسبوع الفائت , أو في أسبوع المراجعة كما لاأحب أن أسميه كذلك , فعلت مايحلو لي أن أفعله في كل فصل دراسي , أُنجز واجباتٍ إجتماعية لم انجزها طيلة العام يوم السبت, ويصبح الوقت مناسباً فجأة لاستقبال قريباتي , وفي الليل أعود لترتيب كُتبي المُرتبةّ ,
في الأحد , أستطيع أن أثبت قدراتي المطبخيةّ , وأجعل من يوم والدي يوماً شاقاً فعلاً ليتذوق الأرز والدجاج المشوي , بدون “ملحِ” يُذكر .. وأعود في الليل أُخرى لكُتبٌ مرتبةٍ أرتبها ..
وكذلك بقية الأسبوع , تذهبُ في الإدراك المُتأخر للواجبات الإجتماعية , لقصص الأطفال التي أحكيها على عماّر في كل ليلة وأتعثر في كلّ مرة في شرحِ قصة الصياّد الأمين , دون إدراك منيّ بأنه لايتعدى الرابعة من عمره ليفهم كل المفردات , يومئ برأسه الصغير , ويكمل اللعب بعيداً عني , لأقرأها عليّ أنا , ولا أراجع أسبوع المراجعة , لأني منغمسة في قصة الصياد الأمين , أو في ترتيب غرفتي لثلاثة أيام متتالية بين غبار المجلات القديمة و شهادات المدرسة , ثلاث أيام كانت تكفيني لترتيب المنزل بأكمله , لكن لطعم الشاي نكهة مختلفة بين الغبار , ولصوت صديقتي المسكينة- التي تسبقني بمستوى- نغمٌ فريدٌ , لكن حظها العاثر جعلها تشتكي إليّ ماأشتكي أنا منه , تسألني عمّا يجب مذاكرته في المسرحيةّ , فأجيب باقتضاب بشيءٍ لاأعرفه أيضاً , أشتكي لها تأخري وأنا أحبسُ الهاتف بين خدي وكتفي , صوتها ينبعثُ غير واضحٍ لي ولانهماكي أفضحُ هواياتي السريةّ , ووقتي الضائع
الذي لاأقضيه كما فعلت هي , تنصحني أن أترك مابيدي فالوقت مهم, والوقت باقٍ بعد هذه العاصفة الورقية التي ستجتاحنا والوقت غير مناسب,والوقت غبيّ مثلي .. أشكرها لأنها أخبرتني بشيءٍ كنت أعرفه , وينزلق الهاتف من كتفي إلى يدي , وأستمرّ أفركّ قطعة القماش المسكينة , تختنق القطعة برائحة المنظف ولاأختنق أنا إلاّ بالوقت , وصديقتي المسكينة الآسفة على حالي تعود لكتابها , بينما أنسى كل الكتُب وأحتسي الشاي ,

نعم , الوقت من شاي , والوقت بغيض , لكن في كل فصلٍ دراسي في قاموسي أسبوع تزدحمُ فيه الرؤية لديّ , وأخيط بقية أزرار قمصاني , لأنغمس في ترتيب أشرطتي و ألمعّ دروع المثالية التي تعميني عن درجات الرياضيات
كما لاأنسى في وقت الشاي , أو في وقت القهوة .. أن أقرأ على أخي قصة لايفهمها
أو أصرّ على جدتي بأن تجرب أطباقي , أو أن أتابع المباراة حتى ..

بعد ساعات إمتحاني سيبدأ , حسناً إنه بعد ثلاث ساعاتٍ بالضبط لم أنمّ ولن أغامر بأكل فطوري , حبة تمر تكفيني وقليلٌ من الماء , لسببٍ ما أؤمن بخرافة أنني قد أنسى شيئاً مماحفظتُ إن غفوتُ قليلاً..كما أن تجاربي مع النوم قبل الإختبار لاتؤهل لذلك
, أستطيع ان أجزم بأنيّ مستعدّة تماماً لولا أنيّ أظن أن وسائد الحجرة بحاجة لأكياس جديدة وطريقة أخرى في الترتيب , سأرتدي قميصاً بأكمام قصيرة , وأكتب مخالفة صغيرة للزي وأوقعها بأسمي عند دخولي بوابة الحرم الجامعي ,
تحسباً لأي مثاليّة قد أجدها قريباً , وسأحاول أن أطرد كل الأفكار وقت الإمتحان , عدا فكرة الوسائد فهي مهمة بالنسبة لي ..

كان الله في عون المُعلمين ,

———————————————————— في القَدَر . ————————————————————————-

بيني وبين الأقدار والحظوظ الكثير , لاأعلم لمّ لكن يجلب القدر في داخلي وفي داخل الجميع كما أظن الكثير من الفضول ,
نتعلق بخيوط الغيب رغبة مناّ -بفضول- معرفة مايخبأ لنا خلف تلك الكلمات ,
فـ نفسّر الرؤى أخافتنا أو أفرحتنا , أو قد يلجأ البعض لما هو ملتوي ..!

دخلت قراءة الكفوف والفناجين في أجزاء من الثقافة لكن مهما فعلت تلك الوسائل بالناس -بالرغم من عدم نفعها – يظل جزء في قرارة الإنسان
يرفض أن يصدقّ أو يثق سوى فيما سيحدث..!!
لاأحد يعرف ماللذي سيحدث..!!

متى شعرت أنك محظوظ ؟

هذا السؤال الذي لم أستطع التوقف عن سؤاله , على نفسي بالخصوص
وحين أفعل ذلك أشعر بأن الإجابة ستكون بالإيجاب , ثم أرى مقومات الحظ وأشعر أني أفقد منها شيئاً..
لكن حقيقة لا أحد يستطيع أن يدرك مدى حظه من عدمه سوى حين يدرك أن نهايته حانت !
ربما ستكون محظوظا وغدا ستراكَ تجلس على غير البساط ,

أمرٌ معقد ..
لكنه ليس بيضاهي تعقيدنا في فهمه ,

آخر مرة أحسست بطعم الحظ كانت حين أحسست بأني أتعس المخلوقات ,
لا أعرف لماذا لكن الدروس التي تعلمني أمراً يخجلني من نفسي لا أنفكّ عن ذكرها !
لم يكنّ ذلك اليوم بعيداً كناّ نعيش تلك الأيام المزدحمة بالإمتحانات وبالأوراق التي لم تُصّور بعد
لم أكن لوحدي .. كنّا أربع فتيات نستقلّ المصعد عبر ثلاث أدوار مُضنيّه في يومٍ مُتعب..!
إستطعنا أن نصل للمكان المنشود , و قبل دخولنا لمركز التصوير أصيبت الكهرباء بعطبٍ ما جعل الجميع يتأفف عُتمة الصُبح,

حسناً كُنتُ أنا أول المتأففين , أول من أطلق زفرة التعب وبنبرة مازحة تظاهرت بأني سأقفز لأنتحر لا محالة فبدون الأوراق
لن ينتهي اليوم كما خططنا أن ينتهي – أو كما رغبنا – .

في زحمة كل ماسبق .. نسيت لوهلة -أو نسينا- أنه كان يفصلنا دقائق عن كوننا أربع فتيات يحبسهن المصعد الكهربائي في جوّ خالي من الهواء النقيّ..!
والله وحده يعلم كيف كان سيكون عليه الأمر ..,

أجمل مافي القدر..
أن تأتيك هداياه من حيث لاتدرك , أن يخبئ لك الله في عمرك مالم تكن تتوقعه , أن يضعك في خطة هو بجلاله أعدّها أبسط مما أردت , أسرع مما توقعت
أو ربما بطريقة لم تتوقعها , تلك الطريقة التي تجعلك تفقد عزيزاً تجزع لأجله ثم في أيام معدودة تفرح لقدوم ضيفٍ جديد ,
أو تلك الطريقة التي تضعك في منتصف كل شيء لاتحبه ! ثم بعد وهلة تدرك أن كل ذلك هو تماما ماأردت ..!!
كالأطفال نستقبل الأقدار برضا سريع و سخط أسرع ,

*صباحكم..
الأقدار تأتينا كيف يشاء الربّ..ونرضاها كيف نشاء..!!
صباحكم من إذا تاهوا في معترك أنفسهم , وجدوا السكونَ في دواخلهم “صدفة”..!

——————————————————— وصرتُ كالشباب يا أُمّاه ! —————————————————————

اليوم .. هو التاسع عشر من شهر يونيو..
حسناً..تذكرت قبل أسبوع أن هذا اليوم يصادف يوم مولدي..
بعد أن دخلت ووالدتي في نقاش هل سأبلغ التاسعة عشرة..أو العشرين..
لم أجد أهمية لذلك..أياً يكن , تقول أمي أنني أتممت التاسعة عشرة واصبحت الآن في العشرين..
أما المنتديات التي اشارك فيها فقد كتبت هذا الصباح بجانب اسمي (19)
وكذلك الرسائل الالكترونية التي وصلتني من موقع أجنبي لاأعرف ماعلاقتي به ..

جلّ مايشغلني حقاً..هو أن أتأكد حين بلغت التاسعة عشر في العام الماضي – حين ظننت أني بلغتها في مثل هذا التاريخ -
هل أجريت عملية الليزك ..وأنا في التاسعة عشرة ويومين..أو في الثامنة عشرة ويومين ؟
وهل انتبه طبيبي لذلك حين كان يحرصني على مسألة العمر..

حسناً,
مسألة العمر مسألة معقدة حقاً..
هناك أكثر من عمر .. للشخص,
فـ بحسب اعتقادي أظن ان هناك عمراً حقيقياً وهو مايقرر الشخص نفسه بأنه عمره الذي يعيش فيه
سنته التي توقفت عندها كل سنين عمره ..ومايزال يعيشها حتى يموت ,
طبعا لانستبعد أن هناك العمر الزمني الذي يحتم على الانسان ان يتواجد في حياته بأن يحتل بطاقاته الرسميه وأوراقه
..كضيفٍ مرحب به أو لا,
كما لاأنسى عمر المظهر
وعمر العقل..
مجرد حديث نفس لاأكثر,
عموما,
تبادرت إلى ذهني عبارة محمود درويش..
“تصوريني …صرت في العشرين
وصرت كـ الشباب ياأماه ” ..!

مازلت أظننـي طفلة .. وحينما كنت طفلة “أصغر عمراً” كنت أظن أن من يقرن اسمه بعمر كهذا
سيملك كل شيء..
سيكفّ عن البكاء بسهولة ..
سيتركّ الألعاب واللهو والمشكلات ..
سيعرف كيف يقضي وقته وينظمه..
سيصنع من نفسه شيئا مجدياً نافعاً في هذه الحياة ..

لكن ظنوني .. كانت تخصّ طفلة .. صارت في العشرين ومازالت تتمسك بالطفولة غير مكترثة ..
حقاً..
امتلكت مفتاحاً لحجرتي..
وأحمل هاتفا خليويا .. يحتوي دليله على أناس اعرفهم من شتى العلاقات..
أعرف كيف أعد لي وجبة تسكت جوعي..
أمتلك مكتبة صغيرة..وعلبة لمستحضرات التجميل..التي كنت احلم بها منذ صغري..
لدي حقائب يد صغيرة..نسائية..كنت أراها في طفولتي تعني الكثير..
ارتدي الكعب العالي في المناسبات..وكان ذلك حلم طفولتي..

لكنني وبالرغم من ذلك…مازلت أدخل غرفتي أحياناً..وأنا أبكي..
وبسهولة..
لاأقضي وقتي جيداً..
ومازلت أحاول أن أصنع شيئا أفتخر فيه يوماً..
ومازلت طفلة . ..
حين تقضي هذا العمر..تفكرّ فقط بأن الحياة .. كمحطة القطارات تماماً..
لايهمّ كم من العمر تبلغ ..تعجّ هذه المحطة بالكثيرين..
منهم من يركب ومنهم من يترجلّ..
أحدهم ينبطح بيأس المشردّ.. يحاول أن يستجمع قواه لكنها “فقيرة “,
أحدهم تمضي القطارات على هذه السكك بسرعه..وهو مايزال يجلس..
كما جلس البارحة..وقبل البارحة..وقبل سنة..ومذ كان طفلا .. ,

سطر أخير.

“كان الأحرى أن يكتب على قبور كثير من الناس “مات في الثلاثين ودفن في الستين” ..!
نيكولاس باتلر