—————————————————– حين يتوقّف عالمي عند أقراطي ! ——————————————————
أمضي في يوم أو يومين حياة فوضوية -بالمعنى الحرفي للكلمة- ترتطم فيها قدمي حين استيقظ مسرعة للجامعة بأي شيء..-أي شيء بمعناها الحرفيّ ايضاً -
وبكل ماتتضمنه الكلمة من معاني ..!!
تتبعت بالأمس سبب تأجيلي لترتيب الفوضى التي تعم حجرتي..
ليس فقط ذلك النوع من الفوضى الذي يتضمن رابطاً يجمع الأشياء ببعضها..وإنما الفوضى الحقيقية
التي تجعلك تضحك سراً على نفسك ..
على مزاجك الغريب في جمع علب الكريمات المرطبة الفارغة فوق كراسة الرسم والتي تختبئ بدورها تحت قميص صيفي ومحشورٌ في وسطها أحد القبعات الصوفية..!
لاأعني إهانة نفسي..لكنني فعلاً أرتب المكان اسبوعياً..وأشعر براحة غريبة حين ترتيبة تجعلني أعود لأحتسي كوبا من الشاي الأخضر في منتصف الحجرة بعد أخذ نفس عميق يحمل بعضاً من رائحة المنظفات ..
لكن في آخر الأسبوع تعود كما هي .. فوضوية ارسمها بنفسي وأحب ترتيبها أخرى وتعود لتكون كما كانت .. وهكذا دواليك حتى يسأم أحد أفراد عائلتنا من البحث عن
جهاز تحكم التلفاز في وسط كتبي الدراسية ..!
لاأدري ماللذي يتوجب عليّ فعله هنا..وخصوصاً أن الألقاب أحياناً قد تضر بسمعتي العائلية .. مرورا “بـ أم الخلاقين” وانتهاءً بـ “الحنشلية”..
وابتداءً بكلمة أبي التي ترنّ في أذني.. ” وش يسوي شماغ أخوك بشنطة الجامعة ؟! ”
هناك الكثير لأشرحه..وحين أشرع بذلك ترد لذاكرتي – قبل سنتين – منظر مفتاح سيارة أخي “الكامري” حين وجدته في وسط درس الكيمياء متلحفاً مقلمتي..!!
لااستطيع الشرح أكثر ..وأبي قد أحتلت في مخيلته مدى فوضويتي التي غطت بجداره على إخوتي..وأولهم منافسي الأول..!!
لست فوضوية لهذه الدرجة..صدقوني أتمتع بكل ماتحمله الأنثى من ترتيب سوى أنني أحيانا أبالغ في ذلك !!
غرفته لاتمت لعالم الشباب بصلة صدقوني..ولااستطيع أن أستنتج رابطاً واحداً جعلنا نعيش في غرفتين متجاورتين إلا أنها “أقدار الله” التي سبقت كل شيء…!!
ولعلّه صابرٌ محتسب..!!
أصدقكم القول أني أحبه حباً جمّا ..أدراجه الصغيرة ..حاسوبه المنظم..عقله المنفتح ..كل شيء قد يشبّ نار الغيرة في أخته التي تكبره بثلاث سنوات..
إلا أنني مازلت أغبطه..وأعلم في قرارة نفسي أنني لاأجرؤ على منافسته بذلك فلكلٍ مناّ شخصيته..
أخيراً..حين أجد في رسوماتي الفوضى وفي حجرتي الفوضى وفي كل حياتي ..أتذوق نكهة في ذلك تجعلني أستمر كما أنا..
حتى حين أفتش عن السبب وأجد أن أقراطي التي تنتظرني -منذ آخر مناسبة أو زيارة- على سطح الطاولة ,يتيمةً تبحث عن من يعيدها للصندوق , وأن المشكلة ستُحلّ فقط
بتسلسل عملي الذي يبدأ في إدخالها ذلك الصندوق ..!!
**
تتنظر كل الفوضى في حجرتي كل مرة أجمع فيها الأقراط أولاً,
لتحتفل بالترتيب من جديد والعودة من حيث جائت كأي فوضى تترتب
بالطبع ستظل تحمل هويتها كـ فوضى ..حتى وإن ترتبت..!!
تبدأ حياتي بقرط ..لاأحسن وضعه في مكانه ..!
————————————————————— في السفر . ——————————————————————–
حين نحزم أمتعتنا للسفر نحرص على أن ندخل كل شيء بعناية ,
كما نحزم قلوبنا أيضاً..ظناً مناّ ..”بل يقيناً ” بأننا لن نحتمل المغادرة , البعد .. مهما كانت مدته
ومهما كان مقداره ,
وقت رحيلك تفكر مليّاً في الذي تعتزم فعله
ترسم في مخيلتك كل ماتريدأن تفعله في فترة النقاهة هذه ..
تتأكد من أن آلة التصوير خاصتك .. تلتقط كل ماستمر به .,
وتلقائياً سـتُعِدُ ذاكرتك أنت أيضاً لذلك ,
نتظاهر غالباً وقت السفر “للمتعة”
بأننا لن نفتقد ماسنتركه ورائنا ..
بينما نخبئ في قرارة أفئدتنا مانخشاه ..أو مانحسّ بأنه “خوفنا الأكبر ”
“ألاّ نعودَ أخرى ” ..,
أول السفر متعة..
أما آخره ..فـ غالباً ماتحاول أن ترقد بسلام دون أن تنزف عينيك ماكنت تخشى أن تذكره ,
تريد أن تعود ..وتحسّ بأنه ليس هناك هواء يستطيع أن يرضي رئتيك سوى ذاك الذي كنت تستنشقه بملئ صدرك في الديار ,
تمضي يوماً أو يومين متأملاً بوجوه الساكنين لتجد وجهك بينهم , أو وجهاً يشبهك في ديارك ,
تجد الجميع يمضي في حياته أما أنت السائح فـ كل ماعليك فعله..هو أن تعطي حامل الحقائب مايسدّ جوع يومه ..ليكمل حياته كما الجميع يفعلون ,
أو أن تلتقط صورة تعلقها في حجرتك يوم تعود ,
لاتفعل شيئا ذو نفع ..وهذا مايجعلك في نهاية اليوم تفكرّ جديّا في أنك فعلاً كائنٌ في الوقت والمكان الغير مناسبين .. “أبداً” ..,
لكنك جئت بملئ إرادتك لتقف بين الناس تحس بأنك الغريب ذو اللون المغاير .., بينما لاأحد يحس بذلك غيرك أنت !
حين يعود المسافر..
يريد في لحظة أن يقبلّ الأرض التي اشتاقها ..مهما اشتكى منها قبلاً..يخرس ضميره ويلوم نفسه لأنه اختار كل مامضى في بطواعية !
وباسم “المتعة ” قبل كل شيء..
يريد المسافر حين يعود أن يجمع كل من اشتاقهم ..
من أحباء وأماكن وطيور ونسمات بارده أو “سموم ” ..أياً يكن ..
يحكي للجميع ماوجده .. من أناس يشبهونهم على طريق الحياة الطويل.,
يتظاهر أنه استمتع كثيراً..دون أن يتطرق لذكر مدى اشتياقه الذي أفسد الرحلة .
سطر .
لايغدو “مابداخل حقيبتك ” -عندما تعود – على الحال التي كانت عندما ذهبت ,
سطر قبل الأخير .
يكتشف المرء حين يسافر ..مدى الحب في قلبه ..
ومدى التناقض في حياته ..
ويعود في العام القادم ..
لـ يعيد الكرهّ.,وكأنه لم يعتبر ..!
حالما أبدأ الكتابة عن السفر ,
تبدأ كل وساوسي ..
وأناقض نفسي..!!
على أية حال..
ماهو السفر ؟!
————————————————-رسائلي إليكَ لاتصل !———————————————
لـ العيون المحمرةّ ذلك اليوم ..
للعائلة المترابطة التي لم أرزق بها قبلاً..ولاأظنني أرزق بها بعد ذلك,
للقلوب الملتحمة ..
للأرواح النقيةّ..
إليهم ولو لم يقرأوني,
ليتني كنت فيكم..!
****
اليوم هو الاول من محرم .. أو شارفنا على الثاني ..
أياً يكن .. رسائلي إليك لاتصل..
**
صدقنيّ..قطعت على نفسي العهد بـ أن لا أتذكر مامضى عنك سوى الدعاء..
ورائحة غرفتك الطيبة ..
ليس هنالك ماهو اطيب من رائحة غرفتك…
سواك ..
يسألني الكثير ممن اعرفهم جيدا -وتجمعني بهم علاقة وثيقة – ..وقت السلام ..
- كيف حالك ؟ عساك بخير وطيبة ؟
أجيب بفكاهة لايتعدى فهمهم بها سوى توقيعي المعهود ..
- الحمدلله…طيبونّ….- انسى أن اكمل العبارة فأبتسم – ولانحتمل الحزن ..
يسكت الجميع بعدها ويكونون قد خاضوا في شتى الاحاديث..وأنا نفسي مازالت معلقة بالعبارة ذاتها ..
لانحتمل الحزن ..
لا أحتمل الحزن…,
هل ثمةَ من يَحتَمِله أصلاً ؟
**
أشتاق لابتسامتك..لست ممن يحبون إثارة الأحزان كلما سنحت لهم الفرص..
لست ممن يحبون الجزع ..بالرغم من أنهم جربوه..
لايجرّ الجزع سوى المصائب..
ولايجرّ الصبر سوى الصبر..
والمزيد منه ..
أشتاق لابتسامتك…أصدقك َ القول .. لم أبكِ حين وفاتك كما بكيت اليوم..
رأيت المطر ينهمر فلم احتمل الصمت..
أحب أن أشارك المطر..
أحب أن أشارك الجميع حياته.. ولأن حياة المطر كانت في انهماره..
وددت مشاركته ..
أعلم ..أدور في حلقة ولأنها حلقة..لابد من أن تكون مفرغة !..
رسائلي إليكَ لاتصل..!!
**
لست متشائمة..
ولا أؤمن بمن ينعت كل من يكتب بالشؤم..
إنني أفضي للورق ..-ولوكان رقمياً – مايعرقل سير الدم في عروقي..
لذا لابد لكلماتي أن تخرج بملئ إرادتها وليس بإرادتي..
لاذنب لي حين أكتب الحزنَ ..أو يكتبُني..
لاذنب لي أيها القوم !
رسائلي إليكَ لن تصل..!!
**
تتعلق بحواسي نفحة تلامسني كلما ذكرت قربي منك لأقبل رأسك..
عقالك لينّ..
قطعة القماش على رأسك والتي -تشبه – الشماغ ..
أنفاس عربتك المؤلمة ..
لحيتك البيضاء..مداعبتك لها ..
يعتاد من لايبصر على ذلك ..!
أصوات الأطفال حولي..المعتادين رؤيتك..
حتى استفهامات من لم يروك مسبقاً..أراها..
تسألني .. لأنك لاتراني ………..
تسألني بلهجتنا..
بصوتك الذي يبعث علىّ الإرتياح .. ,
- أنتِ … ؟ من أنتِ ؟
- نورة ياعم..
- هلا والله ببنيتي ام عبدالعزيز وشخبارتس؟
ابتسم..
- هو ..!! ياعم ! ماقلت لك انا ام عبدالله..
- مشالله حتى انتي ! مايكفي اخوتس ؟ .. وابوكم وين يروح ياويلي؟
- ياعم ابوي له الباقين ان شالله ..
…,
رسائلي إليك…لاتصل..,
**
ليتني عينيك حين لم ترى..,
ليتني رجليك حين لم تقف..,
يظنكّ الصغار هكذا مذ ولدت ..
أريد أن اسجّل فلما مصوراً يدور في ذاكرتي كلما رأيتك..وأريهم من تكون !
حين كنت رجلا بكامل قوتك ..
تحمل الجميع للعب..
تركل الكرة ..
وتلحق الصغار بالمزاح..
أريد أن أريهم كيف ضاقت بنا الأرض حين أصبت بالوهن..
أريد أن أريهم كيف كنت صغيرة تجلس امامك في حديقة المستشفى..
أريد أن أسمعهم كلمات أمي حين أخذتني..
كنت اخاف ان أراك..كيف لطفلة تبلغ الحادية عشرة أن تراك القويّ المزوحّ الحنون..تجلس على كرسيّ جلديّ..برجل واحدة !
رأيتك كأبهى مارأيت ذلك اليوم..تفاصيله عالقة في ذهني..صوت العربات من حولنا في الحديقة..
الصورة – العسكرية – عن ذلك المستشفى في ذهني قبل ان أدخل..حتى صوت الطيور والاشجار..تعلقت !
زوجتك والأبناء..
وابتسامتك..
كيف لرسائلي أن تصل..وابتسامتك تشعل في نفسي شمعة تجعلني أهرب من الحزن عليك كلما تذكرتك..
لم أحزن ..
أيقنت انك أقوى الرجال..
لم أحزن..صدقوني..
هل قلت للطبيب النفسي المرتبك في كيفية إخباره ! كل ذلك الكلام الذي سمعته عنك وبكيت ؟
- اخلص ياولدي أخلصوا علي أنا رجال وراي بيت .. خوذوها وخلني أرجع..
* وكان ذلك قبل التحضير لبتر الأخرى بساعات .. – وبعد الاولى بسنوات – ..
يتفطرّ قلبي..على الدنيا..لأنها بدونك..
عليّ..لأنني المشتاقة ..
عليهم..لأنهم افتقدوك..
علينا..لأننا بدونك الضعفاء..
لم احزن !..
رسائلي إليكَ لاتَصِل…….لعلّها تصل..,
**
الزمان / ثاني الأيام إنهاكاً
أنزلت الطفلين معي للمطبخ..أن أكون جليسة أطفال أفضل من أن أقف باكية أمام عتبة دارك ,
كعكة محلاة وكوبين من الحليب تفي بالغرض..
كانا يلعبان بالحيوانات الصغيرة والدمى ..وكنت أفتعل قراءة الصحيفة..
بصوته الألتغ .. لم يقل الطفل مايكفي لإثارة حزني من جديد سوى انه كان يحكي للصغير حكاية !..
- الزغافة انقطعت غجلينها وشالوها بالسياغه للمستشفى ..
يقلده الصغير ..
- وي وي وي وي وي ! لـ الكتكور..!
أشيح عنهم بناظري فلايكفيني سوى صنبور الماء البارد والمناديل..ويعود من جديد ليسألني..
- خاله نوره..عم عبدالله لاح للجنه صح ؟ بابا يقول لي المسلمين يلوحون للجنة والكفار للنار..
- ان شالله ..
لاأعرف كيف يتسحيل طعم الكعك في فمي بلاطعم ..!
لم يكن محلى..لااعرف ماللذي كان….أطعمتهم بعدها بسرعه..وتركتهم امام التلفاز ..
لاأذكر من تفاصيل الليلة شي سوى أحاديث أمي عن العزاء..
كانت الليالي تمرّ بدونك سهادا..
هذا جلّ ماأذكره ..
لم أحزن الآن..تمنيت لو أن رسائلي تصل فقط..وأنك كنت عمي أكثر من أن تكون عماً لوالدتي مربياً لها ..
أياً يكن فكل من يعرفك..حضي بالتربية على يدك..!
ربانيّ فيك صبرك..!
ربانيّ فيك ابتسامك..!
رباني فيكّ رضاك..!
فكيف لاأكون تربيت على يدك !
أذكر كلمات جديّ..حين كان يعزينا بك !
يال قوته ..!
أتعلمون ؟
..أودع الله فيكم سراً ..!
- ” عياله ان شالله لهم شله وان شالله تنسيهم…بس انا…………….” ..
رسائلي..تذكرك كل يوم..إليكَ لاتصل…
تعدني – فقراً – أن تفعل…ولاتصل..
على بوابة العام في يومٍ ينهمر فيه المطر..لابد أن أذكرك..أقرأ توقيع أخي قبل أيام في نهاية أحد ردوده
.. يدعي لك..ولعبد الله حين سبقك. ..كنت أحسب أنني من يحفظ الذكرى لكم..لكن كنت مخطئة فالجميع كذلك ..
.مازلت أذكر كلماتك حين تعزيني فيه..,
جميعكم طيبونّ..
جميعكم أفقتدكم..
جميعكم ربيتموني ..!
لاأفرح..
ولاأحزن ..
لا أبدي أي انفعال..
مثلكم “لاخوفٌ عليهم ” ..
إنني أشعل في قلبي شمعة بيضاء..كانت أنت..كلما استيقظت حواسي…,
في الظرف خبأتُ اشتياقي..
دعوات جيرانك وأهل حارتك الطيبينّ..
إمام الجامع حين خطب فيهم معزياً..
العيون حين امتلأت بالفقد..
خبأت لك الكثير من الدعوات..
والقليل من الحزن..
وبعضٌ من حنين,
رسائلي إليكَ لاتصل..
رسائلي إليـك…
لا بُـدَ أن تصل..!
1/1/1428هـ ,,
