
جدتي لاترى جيداً . ومُذ عرفتُ نفسي وترعرعت بين بيتنا وبيتها لا أذكر أننيّ رأيتُها في غير شكلها الذي أعرف . كُنت أتخيلها دائماً وهي شابّة وأرسمها جميلةً كما هي الآن لكنني أقف على الجزء الأعلى من وجهها ولا أستطيع تخيله .
قبل عامين كانت قد أُدخلت للمستشفى لإجراء جراحة في العين , تكفيها عناء التحديقّ في المصحف أثناء صلاتها الوتر والتي تمتدُ من بعد العشاء ولا أدري متى تنتهي.
في كُل ليلة وقبل موعد وجبة العشاء أو أثناءها تقترب جدتي لشاشة التلفاز بشكلٍ غير طبيعي تحجب بيدها عينها اليمنى لترى بالأخرى نشرة الأخبار , منظرٌ يجعلك تشدّ عضلات وجهك لا إرادياً بانهماك , وتفكرّ ; مالذي يدفعها للقيام بذلك , وإن تحلّت بهذا الحماس فمالذي تراه فعلاً خلال تلك العينين المُتعبتين وهل يستحق ذلك ؟
ببساطة , لايستحّق . فـ جدتيّ قد تعطيك الإنطباع الأوليّ بأنها المرأة الكبيرة في السنّ النحيلة , التي تجيد -مثل جميع النساء اللاتي في عمرها- الحكايا والذكريات القديمة وتوزيع قطع الحلوى بكل أنواعها وفي كل مناسبة على الجميع . لكنها ليست كذلك فقط .
جدتي سياسيّة ٌ من الدرجةٍ الأولى , تتابع في تلك الساعة من المساء أخباراً محليّة وعالمية , تحجب بيدها لترى أبعد مما تظن أنها تستطيع أن تراه , وتعلقّ على شخصياتٍ سياسيةّ
بما تستحقه فعلاً . تقرأ وتسمع وتشاهد الأخبار ثم تعلقّ . لا تأخذ عادةً وقتاً طويلاً في التحليل أو في مراجعة المعلومات , بل تبدي رأيها تماماً كما خطر في عقلها الحكم.
وكأنها في برنامج حواريّ وهناك من ينتظر تحليلها , غير أنهاّ ليست كذلك . ولايوجد أحدٌ مُهتمّ.
وفعلاً , لا أحد ممن تشاهدهم جدتي يستحقّ ماتفعله بنفسها .أياً يكُن فـ لجدتي رأيها وموقفها الصارم تجاه أي شخصية سياسية فلسطينية , إسرائيلية , عربية كانت أو غربية , قد تعطيك التفاصيل لاحقاً , قد تحكي لك مافعلته ُ هي وجديّ آنذاك وما أبدوه حتى وإن لم يكنُ مهماً , مالذي حدث وابتلعهُ التاريخُ والنسيان , تحفظ هي وهو الكثير من البنود والقرارات والسياسات المتبعةّ في كل مكان وماحدث حين خُرقت كقربةٍ روَت الجميع في يومٍ من الأيام . لكن ماتبديه جدتي في بداية الخبر شيءٌ يخصّها , ممارسةٌ لا يسائلها أحدٌ بخصوصها .
غالباً ما أفكرّ ; جدتي الوديعة التصرفّ , الحُلوة المعشر ,اللينّة الطباع والتي تعيش تحت ضغوط حالاتنا كعرب ومسلمين في كل مكان لاتستحق كل هذه العصبية في إبداء الرأي.
لكنني أيضاً أرجو أن تجد إحدى هذه الشخصيات طريقها إلى جدتي يوماً . أو على الأقلّ أن تتواجد معها في برنامج حواريّ يستحق ُ عقلها المنُفتح وتنبؤاتها السياسيةّ ليلقى أحدهم ماكانت جدتي تخبئه منذ سنوات خلف الشاشة .
لجدتيّ رأيها السياسيّ الذي أقدرهّ جداً ويمثلنا جميعاً والذي أتمنى أن أرث منه الكثير , رأيها المُختصر المُفيد والذي كلفّنا فُقدانه – أو التظاهر بفقدانه- أعواماً من الخسران. أتمنى أن تكونَ جدتي ممثلة للشعب أو عضوة في أحد المجالس الكبرى .
لأنها هي المرأة التي – وبالرغم من خلل في البصر لديها – تعرف أن الظاهر أمامها هو رئيس وزراء إسرائيل فـ تبصق في وجه التلفاز وتشتمُ فور ذلك . شيءٌ لم يجرؤ أي أحد على فعله حتى بينه وبين نفسه أو خلف الشاشة كما فعلت , شيءٌ عربيّ بحت تمنيتُ لو أن أحداً يطبقهّ في المواّل السياسيّ المنافق الذيّ يُمثّل أمامنا كل يوم .
كثيرون ممن نسوّا قضايانا يتمتعون بحسن البصر لكن أضاعوا البصيرة منذ زمن . لكن جدتي , قد تفتقد كمال بصرها من حين لآخر , لكنها لاتنسى , في كُل مساء تفتحُ التلفاز لتراجع حيثيات القضيّة , تدعو ببضع دعوات للشهداء تنفثها في وجه التلفاز وتشتمُ كثيراً وتبصق في وجوه أناسٍ يلبسون بدلات خُضرٍ أو ثيابٍ وأشمغةٍ -أحياناً-,
و لم تكُن يوماً بلا بصيرة.